ابن كثير
226
البداية والنهاية
لم تمرض الأجفان من قاتل * بلحظه إلا لان أمرضا قال : فابتدروه يقبلون رأسه . ولما مات رثاه أبو العتاهية فقال : مات ابن نطاح أبو وائل * بكر فأمسى الشعر قد بانا وفيها توفي بهلول المجنون ، كان يأوي إلى مقابر الكوفة ، وكان يتكلم بكلمات حسنة ، وقد وعظ الرشيد وغيره كما تقدم . وعبد الله بن إدريس الأودي الكوفي ، سمع الأعمش وابن جريج وشعبة ومالكا وخلقا سواهم . وروى عنه جماعات من الأئمة ، وقد استدعاه الرشيد ليوليه القضاء فقال : لا أصلح ، وامتنع أشد الامتناع ، وكان قد سأل قبله وكيعا فامتنع أيضا ، فطلب حفص بن غياث فقبل . وأطلق لكل واحد خمسة آلاف عوضا عن كلفته التي تكلفها في السفر ، فلم يقبل وكيع ولا ابن إدريس ، وقبل ذلك حفص ، فحلف ابن إدريس لا يكلمه أبدا . وحج الرشيد في بعض السنين فاجتاز بالكوفة ومعه القاضي أبو يوسف والأمين والمأمون ، فأمر الرشيد أن يجتمع شيوخ الحديث ليسمعوا ولديه ، فاجتمعوا إلا ابن إدريس هذا ، وعيسى بن يونس . فركب الأمين والمأمون بعد فراغهما من سماعهما على من اجتمع من المشايخ إلى ابن إدريس فأسمعهما مائة حديث ، فقال له المأمون : يا عم إن أردت أعدتها من حفظي ، فأذن له فأعادها من حفظه كما سمعها ، فتعجب لحفظه . ثم أمر له المأمون بعشرة آلاف فلم يقبلها ، فظن أنه استقلها فأضعفها فقال : والله لو ملأت لي المسجد مالا إلى سقفه ما قبلت منه شيئا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولما احتضر ابن إدريس بكت ابنته فقال : علام تبكي ؟ فقد ختمت في هذا البيت أربعة آلاف ختمة . صعصعة بن سلام ويقال ابن عبد الله أبو عبد الله الدمشقي ، ثم تحول إلى الأندلس فاستوطنها في زمن عبد الملك بن معاوية وابنه هشام ، وهو أول من أدخل علم الحديث ومذهب الأوزاعي إلى بلاد الأندلس ، وولي الصلاة بقرطبة ، وفي أيامه غرست الأشجار بالمسجد الجامع هناك كما يراه الأوزاعي والشاميون ويكرهه مالك وأصحابه . وقد روى عن مالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز . وروى عنه جماعة منهم عبد الملك بن حبيب الفقيه ، وذكره في كتاب الفقهاء ، وذكره ابن يونس في تاريخه - تاريخ مصر - والحميدي في تاريخ الأندلس ، وحرر وفاته في هذه السنة . وحكى عن شيخه ابن حزم أن صعصعة هذا أول من أدخل مذهب الأوزاعي إلى الأندلس . وقال ابن يونس : أول من أدخل علم الحديث إليها . وذكر أنه توفي قريبا من سنة ثمانين ومائة ، والذي حرره الحميدي في هذه السنة أثبت .